الحكيم لـ " مصر الآن "الحكم بعدم دستورية تعديل جداول المخدرات أعاد التشريع إلى موضعه الطبيعي
قال الخبير الدستوري الدكتور نزيه الحكيم في تصريح لـ " مصر الآن "لم يكن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بشأن عدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية مجرد فصل في نزاع قانوني عابر، بل جاء كتصحيح دستوري لمسار تشريعي وإداري اختلطت فيه حدود الاختصاص، وتداخلت فيه أدوات السلطة التنفيذية مع صلاحيات المشرّع.
أولًا: بطلان قرارات رئيس هيئة الدواء
أكدت المحكمة أن تعديل جداول المخدرات ليس شأنًا فنيًا محضًا، بل مسألة تمس التجريم والعقاب، وهي من أخطر المسائل التي لا يجوز أن تُنظَّم إلا بتفويض تشريعي صريح.
ومن ثم فإن إبطال قرارات رئيس الهيئة لم يكن انتصارًا لشخص أو جهة، بل انتصارًا لقاعدة دستورية مفادها أن السلطة التي تُنشئ الجريمة أو تشدد عقوبتها يجب أن تستمد اختصاصها مباشرة من القانون.
ثانيًا: استمرار العمل بالجداول الصحيحة
لم يفتح الحكم باب الإفلات من العقاب كما قد يتوهم البعض، بل أعاد الأمور إلى نصابها القانوني، حين قرر استمرار العمل بالجداول الصادرة بالأداة المختصة، أي تلك التي صدرت من وزير الصحة وفق التفويض التشريعي القائم.
وأضا الحكيم أن هذا التوجه يعكس حرص المحكمة على حماية المجتمع دون التفريط في مبدأ الشرعية الجنائية.
ثالثًا: أثر الحكم على القضايا المنظورة
أوضح الحكم أن المحاكم، وعلى رأسها دوائر محكمة النقض ومحاكم الجنايات، مطالبة بإعمال مقتضاه فورًا.
وهذا يعني أن القضايا الموقوفة ستُستكمل، لكن وفق الجداول القانونية الصحيحة، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة توصيف بعض الوقائع أو تخفيف العقوبات، دون أن يعني ذلك إسقاط التجريم ذاته.
رابعًا: الرسالة الأخطر في الحكم
الرسالة الأهم التي يحملها الحكم ليست قضائية بل تشريعية؛ إذ كشف عن وجود فراغ أو اضطراب في تنظيم سلطة تعديل جداول المخدرات بعد إنشاء هيئة الدواء.
فالقانون منح وزير الصحة سلطة التعديل، بينما الواقع العملي شهد انتقالها إلى الهيئة دون نص صريح، وهو ما خلق حالة من عدم اليقين القانوني انتهت إلى هذا الحكم.
خامسًا: دور مجلس النواب الآن
هنا ينتقل المشهد إلى ساحة مجلس النواب المصري، إذ بات التدخل التشريعي ضرورة لا خيارًا.
فالبرلمان مطالب اليوم بحسم مسألة الجهة المختصة بتعديل الجداول عبر نص واضح لا لبس فيه، سواء بإبقاء الاختصاص لوزير الصحة، أو بنقله إلى هيئة الدواء بتفويض محدد وضوابط دستورية صارمة، خاصة وأن هذه الجداول ترتبط مباشرة بتحديد نطاق التجريم والعقوبة.
إن ترك الأمر دون تدخل تشريعي سيبقي النظام الجنائي عرضة للاهتزاز كلما صدرت تعديلات جديدة دون سند تشريعي قاطع، وهو ما يتنافى مع استقرار السياسة الجنائية للدولة.
وأختتم لم يكن حكم الدستورية فى جوهره حكمًا في مادة مخدرة بعينها، بل حكمًا في مشروعية السلطة ذاتها.
فهو يعيد التذكير بأن مكافحة الجريمة لا تكون بتجاوز الدستور، وأن قوة الدولة في مواجهة المخدرات لا تنبع من تشديد العقوبة فقط، بل من سلامة الأداة القانونية التي تقررها.
ومن ثم فإن الكرة الآن في ملعب المشرّع، ليعيد ضبط النصوص بما يحفظ هيبة القانون ويصون شرعية العقاب.






